محمد محمد أبو موسى
43
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وهذه الدراسة ليست من البحوث التي نجهد أنفسنا فيها لنضعها في مكانها من تاريخ العلوم وانما لنضعها في مكانها من دراستنا الأدبية المعاصرة فهي منهج دقيق في دراسة النصوص الأدبية وتحليلها والبحث عن مكامن القوة والتأثير فيها ولا أجد بحثا يقاربه في تاريخ البلاغة والنقد العربي ، وهذه حقيقة أدرك أبعادها وأطمئن إلى شمولها وصدقها ، فبلاغة عبد القاهر التي راقت كثيرا من الباحثين المحدثين أضعها بعد دراسة الزمخشري ، وذلك لأن التحليل والتفسير الذي هو صميم البحث وخلاصته في دراسة الزمخشري أشمل وأدق . وجهد الزمخشري البلاغي - كما قلت - تائه في تفسيره ، لذلك لم يلتفت اليه كثير من الباحثين المهتمين بالبحث عن أصول قضايا النقد المعاصر في التراث العربي ، ولذلك أزعم أن اخراج هذا البحث قد يثير بعض البحوث والدراسات حول هذا الجهد الشامخ ، وألفت هنا إلى بعض الأصول التي لم تكن واضحة في دراستنا البلاغية والنقدية وان كانت كل صفحة كتبها الزمخشري في بلاغة القرآن تصلح أن تكون صفحة مشرقة في دراستنا اليوم وغدا ، فكل دراسته لهذا الجانب البلاغي تتميز بالخصوبة والحيوية والقدرة على العطاء ، وليس من حقنا أن نطالب القوم بكل ما تحتاجه حياتنا الأدبية ، ففي ذلك الغاء لوجودنا ، ويكفى أن نجد عندهم قبسات تنير لنا الطريق فنمضى على هديهم ، ولو استطاع باحث معاصر أن يبدأ من حيث انتهى الزمخشري وأن يضيف قدر ما أضاف كما فعل الزمخشري نفسه مع أستاذه عبد القاهر لكان رائدا من روادنا ، فالزمخشرى قبل أن يتصدى إلى الدرس الأدبي في القرآن أعد نفسه لهذا الجهد العظيم بدراسة واسعة هضم فيها الثقافة الفارسية واستوعبها ، ودرس الثقافة اليونانية دراسة تمثل ، وكان مؤسسو هذا التراث أنشط منا في متابعة الفكر الانساني في كل مظانه ، وأقدر على فقه الثقافات الأجنبية وتمثلها ، وأصبر على البحث والدرس ، وكانوا يفرزون هذه العصارات المختلفة عربية الشكل والجوهر حتى يخيل إليك أنهم لم يقرءوا غير التراث العربي ، وهذه وظيفة الرواد القوامين على